جنّة صغيرة في مواجهة كوكب يختنق

Rate this post

على شرفة الكوكب: حين يزرع الصالحون الأمل في هواء ملوّث

كنت أشتري بعض الأغراض من متجر قريب من منزل صديقتي وجدان، رفيقة الدرب وأقرب الصديقات إلى قلبي. تعرّفت عليها أيام الجامعة، واليوم نلتقي بعد غياب سنوات، فقد انتقلت مؤخرًا إلى مدينتنا بسبب عملها كباحثة في مجال البيئة والمحيط.

في المتجر، كان المسجّل يبث ترتيلاً للقرآن الكريم، كما يفعل كل صباح طلبًا للبركة. توقفت حين سمعت الآية:
“ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” (الأنبياء: 105).
نظرت إلى وجدان وسألتها:
— هل تظنين أنني قد أكون من هؤلاء الصالحين الذين يستحقون أن يرثوا الأرض؟
ضحكت وقالت:
— أووه، الصالحين مرة واحدة؟ تطلعاتك عالية يا عزيزتي!
ضحكت بدوري:
— ولمَ لا؟ ما دمنا نحاول ونُجتهد، فكل شيء ممكن!

غاصت الفكرة في رأسي وأنا أضع بعض الأغراض في السلة: بسكويت، ماء، معقّم، مناديل الحمّام… وفجأة اصطدمت بسيدة وأسقطت كيس حفاضات كبير. اعتذرت وساعدتها على جمع الأغراض، ثم اقتربت وجدان وقالت بصوت خافت:
— تتحدثين عن صلاح الأرض؟ انظري إلى هذا الكيس… في الولايات المتحدة وحدها، يُرمى أكثر من 20 مليار حفاضة مستعملة سنويًا، أي ما يعادل 3.5 مليون طن من النفايات!
ثم أشارت إلى ورق التواليت وأكواب البلاستيك في سلتي:
— هل نستطيع الاستغناء عن هذه؟ وهل ما زلت تتحدثين عن الصلاح؟

أجبتها:
— صحيح، الأمر صعب… لكن ببعض الاجتهاد نستطيع!
وضعت ورق الحمّام جانبًا، وأخذت مناشف قماشية بدلًا منها:
— أما أنا، فلن أستخدم تلك بعد الآن!

ثم أشارت إلى قسم الأسماك واللحوم وقالت:
— هل تعلمين أن الصيد الصناعي خفّض عدد الأسماك الكبيرة في المحيطات إلى 10% فقط من تعدادها قبل الثورة الصناعية؟
وأضافت:
— أسلافنا من أهل الكهوف كانوا أكثر صلاحًا منا، يصطادون ليأكلوا، ويتعايشون مع الكائنات الأخرى دون أن يدمّروا الكوكب!

بدأ الغضب يتسلل إليّ:
— وماذا نفعل إذن؟ هل نتوقف عن الأكل؟ أنت ألا تأكلين السمك واللحوم؟
هزّت رأسها:
— منذ أن اطّلعت على الحقائق، أصبحت نباتية.

خرجنا من المتجر، وقلت وأنا أفكر في الآية:
— تأملي حولك، وقيمي مدى صلاحنا!
ضحكت:
— ستصدمين! دعينا نغيّر الموضوع لأجل راحتك.
قلت بإصرار:
— لا، أريد أن أعرف.
أجابت بابتسامة ساخرة:
— حسنًا، فلنبدأ يا “الصالحة”… سيارتك تنفث الكربون مثل غيرها. سيارة ديزل تبث حوالي 411 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل ميل، أي 4 أطنان سنويًا إذا كنت كثيرة التنقل!

صرخت:
— يا ويلي! وجدان، ما الحل؟
قالت:
— أنا لا أملك سيارة. اخترت السكن قرب عملي، وإن كان أغلى. أستخدم المواصلات العامة عند الحاجة.
قاطعتها مازحة:
— إذن أنت بخيلة! نقطة صلاح لك!

بينما كانت السيارة تتحرك، قالت وهي تنظر حولها:
— البنايات جميلة، لكن أين الأخضر؟ أراها مثل رؤوس صلعاء بلا شعر!
انفجرنا ضحكًا.

قلت:
— هناك حديقة صغيرة، ألا تكفي؟
أجابت:
— لا يكفي. يجب أن نزرع في البلكونات، على الأسطح، في أي مكان!
قلت مستفزة:
— وهل فعلتِ ذلك؟
قالت بجدية:
— طبعًا. تعالي لترَي عالمي الصغير.

وصلنا إلى بنايتها المتواضعة، لكن الشمس كانت تملأ المكان. النباتات تزيّن المدخل، والزهور تملأ الأرجاء. قلت:
— واو! أصحاب العمارة يهتمون بالنباتات!
ضحكت:
— هذه نباتاتي، وأنا من زرعها… للبيع!

فوجئت:
— لم أعلم أنك تاجرة!
أجابت:
— صدفة جميلة. سأحكي لك لاحقًا.

دخلنا شقتها، وكانت كأنها قطعة من الجنة: لوحة جدارية لشارع مليء بالزهور، نباتات داخلية تمتد من اللوحة، مرايا تعكس الضوء، مرجيحة قماش، طاولة خشبية، وسرير علوي يوفر مساحة تحتية ذكية.

خرجت إلى البلكون، فوجدت حديقة معلّقة: زهور برّية، نعنع، ريحان، طماطم، وفلفل صغير!
قلت مندهشة:
— كيف تعتنين بكل هذا؟
أجابت وهي تحضّر القهوة:
— منذ الصغر وأنا مولعة بالنباتات، وعملي في البيئة زاد شغفي. أبحث عن حلول ذكية لتحسين جودة الحياة والهواء.

قلت دون أن أشعر:
— يا لحظك! يا لجمال أهدافك!

أكملت:
— بدأت من شقتي، ثم زرعت في مدخل العمارة، فطلب الجيران شراء النباتات. حصلت على ترخيص، وفتحت نقاط بيع في بنايتين مجاورتين. درّبت البوّابين، ووضعت أسعارًا رمزية لتشجيع الزراعة. هدفي إنتاج الأكسجين في أي مكان على الكوكب.

قلت بإعجاب:
— وهل تعلمين أن الرسول ﷺ قال:
“ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له صدقة”؟
يبدو أنك من الصالحين يا وجدان!


موضوعات ذات صلة