رحيل أمّي!
رحيل الأم ليس حدثًا عابرًا، بل زلزال داخلي يهزّ الروح ويعيد ترتيب كلّ تفاصيل الحياة. أمّي لم تكن امرأة عادية، كانت مدرسة قائمة بذاتها، وكانت حياةً كاملة تختصر في قلب واحد.
لحظة الاتصال الأخير
قبل أسبوع، كنت في اجتماع حين اتصل بي والدي: “أمّك تريد أن تسمع صوتك.. تفتقدك وتريد أن تسلّم عليك فقط.” خرجت على عجل، تبادلنا بضع كلمات، ثم عدت إليها بعد انتهاء الدوام. تحدثنا ساعة كاملة، في مواضيع قد تبدو بسيطة أو تافهة، لكنني كنت أشعر برغبتها العميقة في مواصلة الحديث، وكأنها كانت تتشبث بخيط الحياة عبر صوتي. لم يخطر ببالي أنّها كانت تودّعني وتودّع الدنيا.
أمّ مثالية رغم الظروف
كانت ربّة منزل ممتازة، رغم تعليمها المحدود. امتلكت طريقتها الخاصة في زرع بذور الاجتهاد داخلنا، لتجعلنا نشتعل حماسًا نحو النجاح، نجاح لا يعترف بالظروف القاسية ولا بالواقع البائس. أتذكر طعم مرق الخضار اليومي، وأتذكر حبال الغسيل الممتدة في الباحة الخلفية، وأتذكر رفضها اللطيف المتكرر لدعوات الجارات، مفضّلة أن تبقى منشغلة بعائلتها.
نقاء لا يتكرّر
لم أسمعها يومًا تتحدث بسوء عن أحد، ولم يخرج من فمها كلام جارح. كانت أصيلة، نقية، نبيلة. كانت مثالًا للمرأة التي تعيش قيمها بصمت، دون ادّعاء أو ضجيج.
المشهد الأخير في المستشفى
حين دخلت المستشفى لزيارتها قبل يومها الأخير، كانت عيناها معلّقتين بابنة أختي، ولم تلتفت إليّ. مازحت أختي قائلاً: “انظري.. إنها تتجاهلني وتنتبه فقط لابنة أختي.” عندها التفتت إليّ، نظرت بعينيها الكبيرتين نظرة تحمل مليون معنى وعتاب، ثم حرّكت يدها السليمة وأخذت يدي لتقبّلها. كانت تلك القبلة الأخيرة، وكانت رسالة حب ووداع في آن واحد.
ارثها الباقي
رحيلها ترك فراغًا لا يُملأ، لكنه أيضًا ترك إرثًا من القيم والحنان والنبالة. أمّي لم تكن امرأة عادية، كانت حياةً كاملة، وكانت مدرسةً في الصبر والعطاء، وستظلّ صورتها في قلبي دليلًا على أن العظمة لا تحتاج شهادات ولا ألقاب، بل تحتاج قلبًا نقيًا وروحًا أصيلة.
