لحظات أمومة مسروقة

Rate this post

كانت سلمى أمًا شابة تعمل بدوام كامل. تخرج كل صباح قبل أن تشرق الشمس، وتعود في المساء منهكة، تحمل على كتفيها مسؤوليات العمل، وعلى قلبها مسؤولية الأمومة التي لا تعرف التوقف.

حين رزقت بابنها الأول، تغيّر كل شيء. كانت هي وزوجها بعيدين عن أهلهما، لا سند لهما سوى بعضهما. اضطرّا إلى وضع صغيرهما في الحضانة، وكان ذلك القرار كالسهم في صدرها. كل صباح، كانت تودّعه والدموع تملأ عينيها، تتذكر نظراته إليها، تلك العيون الكبيرة التي كانت تذيب قلبها بعتاب صامت، وكأنها تقول:

“وأهون عليكِ وتتركيني هنا؟ وما هو هذا العمل الذي يشغلك عني؟ وما قيمة ما تعملين إن كان ثمنه أن تتركيني لمصيري؟ يا أمي… لا أعرف سواك، فلمَ تتركيني؟”

كانت تذهب إلى عملها وهي تشعر أنها تترك جزءًا من روحها خلفها. لكنها لم تستسلم. حاولت أن تعوّضه بكل طريقة ممكنة. لم تتوقف عن الرضاعة، كانت تحمل معها أدوات شفط الحليب، تبحث عن زاوية هادئة في المكتب، وتؤدي مهمتها كأم وسط زحمة الاجتماعات.

وعندما تعود، رغم التعب، كانت تحتضنه، تلاعبه، تغني له، تقرأ له القصص، تضحك معه، وأحيانًا تبكي بصمت. كانت تريد أن تقول له دون كلمات: “أنا هنا، رغم كل شيء.”

حين كبر قليلًا، بدأت تصطحبه معها إلى السوق. تضعه أمامها في العربة، وتجعله يلمس الفواكه والخضار، ينطق أسماءها بلغة مكسّرة مضحكة، فتضحك وتشاركه لحظات الاكتشاف. كان يختار التفاح الأحمر لأنه “يضحك”، ويقول عن الخيار “خيووور”، فتضحك وتدعوه يختار ما يشاء.

أما وقت النوم، فكان وقتا مقدّسا. كانت تحكي له القصص حتى يغلبها النعاس وكان يطلب المزيد و المزيد من القصص بل يتدخّل و يغيّر الأبطال .. والأحداث ..، وأحيانًا أخرى ، وحين يثقلها التعب، تسجل له قصة بصوتها على الهاتف وتضعها بجانبه، ليشعر بحضورها حتى في غيابها المؤقت.

سلمى لم تكن خارقة، لكنها كانت عظيمة. لم تكن تملك وقتًا كثيرًا، لكنها كانت تملك قلبًا واسعًا، وإرادة لا تلين. صنعت من كل لحظة عادية لحظة حب، ومن كل تحدٍ فرصة للحنان. كانت تقول دون أن تنطق: “الأمومة ليست في عدد الساعات، بل في نوعية اللحظات. والحب الحقيقي لا يُقاس بالوقت، بل بجودته.”

موضوعات ذات صلة