الزوجة في الأسلام
في أروقة بعض المحاكم، تتكرر مشاهد مؤلمة: امرأة تقف منهكة تشكو ضربًا متكررًا، أو إهانات يومية كسرت كرامتها، أو زوجًا استولى على راتبها بحجة “القوامة”، أو أبقاها معلّقة لا هي زوجة مكرّمة ولا هي مطلّقة حرة. قصص عن تعنيف جسدي ونفسي، وعن تحقيرٍ مستمر يُطفئ روح المودة، وعن استغلالٍ مالي يسلب المرأة حقها في مالها وجهدها. هذه الصور المؤلمة لا تمثل روح الشريعة، بل تمثل انحرافًا عنها؛ إذ إن القرآن الكريم وضع إطارًا واضحًا يحفظ كرامة الزوجة وحقوقها، ويُجرّم الإضرار بها أو إذلالها.
الزواج في التصور القرآني ليس ساحة صراع، بل ميثاقًا غليظًا يقوم على السكن والمودة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فالأصل في العلاقة هو الطمأنينة والرفق، لا الإهانة والتسلّط. والإساءة الجسدية أو النفسية تناقض مقصد السكن، وتُفسد معنى المودة التي جعلها الله أساسًا للعلاقة.
ومن مظاهر التكريم التي قررها القرآن للزوجة حقُّها في المهر، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ أي عطية واجبة خالصة لهنّ، ليست ثمنًا ولا منّة. المهر حقّ مالي مستقل للزوجة، تتصرف فيه كما تشاء. وكذلك مالها وراتبها وجهدها ملكٌ لها، لا يحلّ للزوج أن يأخذ منه شيئًا إلا برضاها الصريح. فلها ذمة مالية مستقلة، تبيع وتشتري وتدّخر دون وصاية. وفي المقابل أوجب القرآن على الزوج النفقة: طعامًا وكسوةً وسكنًا بحسب قدرته، قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾. فالإنفاق مسؤولية عليه، لا مبرر لسلب مالها أو تحميلها ما ليس بواجبها.
أما المعاملة، فقد جاءت بوصية جامعة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والمعروف يشمل حسن القول، ولين الجانب، وصون الكرامة، والتشاور، والعدل. حتى عند وجود كراهة عارضة، يدعو القرآن إلى التروّي وعدم التسرع: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. فلا يُتخذ الضيق ذريعة للإذلال أو العنف.
وإذا تعذّر استمرار الحياة المشتركة، فإن المبدأ القرآني واضح: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. لا يجوز إبقاء المرأة معلّقة بقصد الإضرار أو الضغط، وقد نهى الله عن ذلك صراحة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾. الفراق في الإسلام إجراء منظم تُصان فيه الحقوق والكرامة، لا وسيلة انتقام أو تعذيب نفسي.
وفي باب الإرث، قرر القرآن حق الزوجة بنصوص مفصلة، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾. هذه أنصبة محددة لا يجوز التحايل عليها. وقد شكّل هذا الإقرار التاريخي نقلة مهمة في حفظ حق المرأة المالي في سياقٍ كانت تُحرم فيه من الميراث في مجتمعات كثيرة، أو يُتصرّف في نصيبها دون استقلال.
إن ما يُرى من عنفٍ أو استيلاء على مال الزوجة أو حبسها تحت ذمة زواجٍ مؤذٍ، لا يجد سندًا في نصوص القرآن ولا في مقاصده. قيمة الزوجة في القرآن أنها شريكة سكنٍ ومودة، وصاحبة حقٍ وكرامة، وذات ذمة مالية مستقلة، ولها مهرها ونفقتها وإرثها، ولها إحسان المعاملة حتى عند الفراق. فإذا اختلّت هذه المعاني، فالمشكلة في التطبيق لا في التشريع؛ إذ إن العدل والرحمة هما روح العلاقة، وبهما يستقيم البيت، وبدونهما لا يبقى من الزواج إلا اسمه.
