كلمة تشفي , كلمة تقتل

Rate this post

ليست كل الجراح تُرى، فبعضها يسكن في الأعماق، خلف ابتسامة متعبة أو صمت طويل. الكلمة، تلك التي نُلقيها دون تفكير، قد تكون سيفًا أو دواء، وقد تغيّر حياة إنسان في لحظة واحدة.

كلمة تقتل

في بيتٍ بسيط، وفي ظهيرة عادية، نشب خلاف بين طفلين صغيرين.دفع أحدهما الآخر، فصرخ، وبكى، وهرعت الأم إلى الغرفة، وجهها مكفهر، وعيناها تقدحان شررًا:”لماذا ضربت أخاك؟ ألم أنهك عن ذلك؟ ألم أقل لك ألف مرة أن لا تمدّ يدك؟”لم تنتظر جوابًا، بل أمسكت بالصغير من ذراعه، وبدأت تضربه بعنف، في كتفه، في ظهره، في ساقيه.

كان الطفل يتلوّى، ودموعه تنهمر، وصوته يختنق بين شهقات الألم والخوف.كل ما أراده في تلك اللحظة هو حضن، أو كلمة تشرح له خطأه، لا هذا السيل من القسوة.

وفجأة، دوّى صوت الأب من الغرفة المجاورة، بصوت جهوري غاضب:”أتضربينه هكذا؟ لأنك لم تحسني تربيته من البداية!””ومن أنتِ أصلًا حتى تعرفي أصول التربية!

“توقفت الأم، ويدها ما زالت معلقة في الهواء، والتفتت إليه، وعيناها تملؤهما الدهشة والخذلان.قالت بصوت مكسور، يكاد لا يُسمع:”في حياتك لم تقل لي كلمة طيبة تفرح القلب… ولا مرة.”

شعرت بمغص حاد يضرب معدتها، وكأن الكلمات التي قيلت لها كانت طعنات لا تُرى.ركضت إلى الحمّام، تحاول أن تلتقط أنفاسها، بينما هو يغادر المنزل، يصفق الباب خلفه، ويشتم ويلعن.في تلك اللحظة، لم يكن الطفل وحده من تألم، بل كانت الأم أيضًا ضحية لكلمات قاسية،كلمات لم تُقل لتُصلح، بل لتُهين،كلمات لم تُوجّه لتُرشد، بل لتُحطم.

كلمة تشفي

وفي بيتٍ آخر، في مساءٍ هادئ، عاد الزوج إلى بيته بخطوات ثقيلة، كأن الأرض ترفض أن تحمله.

وجهه شاحب، عيناه غارقتان في الذهول، وملامحه تروي قصة خيبة لا تُقال.في يده ورقة مطوية، لا تحمل سوى بضع كلمات، لكنها كانت كافية لتقلب عالمه رأسًا على عقب:”نأسف لإبلاغكم بانتهاء خدماتكم اعتبارًا من اليوم.”

فتح باب البيت، ودخل بصمت، لا يلقي السلام، ولا يرفع رأسه.اعترضته زوجته، تحمل سلّة الملابس، لكنها توقفت فجأة، وقد هالها مظهره:ثيابه مبعثرة، وجهه متعب، عيناه لا تشبهان ذلك الرجل الذي اعتادت أن تراه قويًا ومتماسكًا.تركت ما بيدها، واقتربت منه بخوف وحنان:

حبيبي، ما بك؟ أتيت مبكرًا على غير عادتك…”

جلس على أقرب كرسي، وكأن جسده لم يعد يحتمل الوقوف، ثم انفجر باكيًا.لأول مرة منذ زواجهما، ترى دموعه تنهمر بلا مقاومة، بلا كبرياء.ركضت إليه، احتضنته، ووضعت رأسه على صدرها، وقالت بصوت دافئ:”لا شيء يستحق دموعك… أنا هنا، قل لي، فضفض.”أجاب بصوت مخنوق، بالكاد يُسمع:”اليوم طُردت من الوظيفة… بدون سابق إنذار.”سكتت لحظة، ثم قالت وهي تمسح دموعه:”يا عمري… هم الخاسرون. المهم صحتك، لا تحزن.لا تدري، لعل الله يفتح لك باب رزق جديد، أفضل وأوسع.هيّا، اشرب كوب الليمون، واعتبرها إجازة قصيرة، نخطط فيها لما هو قادم.”

كلماتها لم تُغيّر القرار، ولم تُعد له وظيفته،لكنها أعادت له نفسه، أعادت له الشعور بأنه ليس وحده،وأن هناك من يراه، ويشعر به، ويؤمن به حتى في لحظة انكساره.

موضوعات ذات صلة

تعليق واحد

التعليقات مغلقة.