لغتنا العربيّة .. وداعا
في مشهد يومي عابر، دار حوار بين أم وابنتها المراهقة حول تأخرها المتكرر عن المدرسة حتى فوّتت الباص. لم يكن مضمون الحديث هو اللافت، بل كانت لغة الحوار هي المفاجأة: الأم تتحدث بعربية فصيحة غاضبة، بينما ترد الابنة بالإنجليزية المدرسية، بلا لكنة أمريكية أو بريطانية، ولكن بثقة وعصبية.
هذا المشهد ليس استثناءً، بل يتكرر في كثير من البيوت العربية التي اختارت لأبنائها مدارس “عالمية” أو “إنترناشيونال”، حيث تتراجع العربية أمام الإنجليزية، وتتحول إلى لغة ثانوية في حياة الطفل.
تخيلوا لو انقلب المشهد: أم أمريكية تحاور ابنتها بالإنجليزية، فترد الابنة بالعربية كما تُدرّس في الكتب! صورة كاريكاتورية مضحكة، لكنها تكشف حجم الفجوة التي نعيشها.
الطفل الغربي، أينما وُلد، يتحدث بلغته الأم منذ اللحظة الأولى. يشاهد البرامج، يدرس، ويلعب بها. لا يشعر بأي اغتراب لغوي، ولا يحتاج لتعلم لغة أخرى كي يندمج في مجتمعه. أما الطفل العربي، فيُغذّى بالإنجليزية منذ الرضاعة، ويُعرض للكرتون الأجنبي، ثم يُرسل إلى مدارس أجنبية المنهاج، ليعود محمّلًا بواجبات لا تنتهي، معظمها بلغة غير لغته.
اللغة العربية تُركن في الزاوية، تُدرّس بأسلوب تقليدي ممل، بلا بريق ولا اهتمام. في بعض الاجتماعات المدرسية، بدأ أولياء الأمور يطالبون بحذفها تمامًا، بحجة أنها “تأخذ وقتًا” من المواد الأساسية التي تُدرّس بالإنجليزية!
والنتيجة؟ جيل لا يتقن لغته الأم، وإن نطق بها فبأسلوب مشوّه، ولا يتحدث الإنجليزية بطلاقة أهلها. أمّهات منهكات، وأبناء غارقون في واجبات لا تنتهي، بلا فائدة حقيقية تبرر هذا الجهد الهائل.
الجيل القادم سيكون نتاج آباء وأمهات منزوعي اللغة والهوية. جيل معوّق لغويًا، يتحدث بلغة هجينة: إنجليزية مدرسية ممزوجة بكلمات عربية مكسّرة. جيل منفصل عن ثقافته، منبهر بلغة الغرب، يقدّسها ويقلّدها، بينما يهمّش لغته الأصلية.
نداء عاجل لكل من يهمه الأمر:
التحرك الفوري مطلوب للتصدي لأزمة الثقافة التي تهدد أجيالنا الصاعدة، وتُقوّض إرثنا العربي الثري. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي هوية، وجذور، وانتماء.

جميل جدا