السمكة الفضية
كان عمر وعبدالرحمن صديقين لا يفترقان، يجمعهما حب البحر، واللعب، والقصص التي يرويها الموج عند الغروب. لكن بينهما فرق صغير: عبدالرحمن كان يعشق الصيد، يتقنه كأنه وُلد وفي يده صنارة، أما عمر فكان يحمل في قلبه خوفًا قديمًا، لا يعرفه أحد سوى عبدالرحمن.
في طفولته، وبينما كان عمر يحاول أن يرمي صنارته لأول مرة، أخطأ الرمية، فانطلقت إلى الخلف وأصابت وجه طفلٍ صغيرٍ كان يلعب بالقرب منهم. جُرح خد الطفل جرحًا عميقًا، وظل مشهد الدماء يطارده كلما اقترب من البحر. ومنذ تلك اللحظة، ارتجفت يداه، وارتجف معها حلمه بأن يكون صيادًا.
عبدالرحمن لم يسخر منه يومًا، ولم يضغط عليه. بل كان يرافقه إلى الشاطئ، يروي له عن أنواع السمك، وعن لحظات الانتصار، وعن الصبر الذي يُعلّمه البحر.
في إحدى عطلات نهاية الأسبوع، دعاهما عمّ عبدالرحمن إلى منزله الكبير المطلّ على البحر. كان البيت واسعًا، والنوافذ تفتح على شاطئٍ رائعٍ، كأنها نوافذ على الحلم. لعبا كرة القدم مع الأولاد، وكانت الشمس تغرب ببطء، والطيور تلملم أسرابها للعودة إلى أوكارها.
جلس والد عبدالرحمن على كرسيه المعتاد، ممسكًا بصنارته، ينتظر بصبرٍ لا يُضاهى. لم تتحرك الصنارة، حتى نهض ليجلب شيئًا من الداخل. وفجأة، رنّ الجرس الصغير، وارتجفت الصنارة بقوة، توشك على السقوط.
عبدالرحمن نادى عمر، وقال له: “إنها فرصتك!” تردّد عمر، ثم انطلق كالسهم ليلتقطها قبل أن تبتلعها الأمواج. أمسك بها، لكنها كانت تسحبه بقوة، كأن البحر نفسه يحاول انتزاعها منه.
قاوم عمر، بكل ما أوتي من قوة، حتى تقوّست الصنارة وأخذت شكل نصف دائرة. أدركه عبدالرحمن، وسحب الخيط بيديه، بينما ظل عمر ممسكًا بالقصبة، لا يتراجع.
وبعد جهدٍ جهيد، ظهرت السمكة: فضية، تتلألأ تحت أشعة الشمس الغاربة، كأنها هدية البحر لهما معًا. هلّل الأولاد، وصفّقوا، وتحلّق الجميع حولهما، يشاهدون انتصارهما الأول.
في تلك الليلة، اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء، وكانت السمكة الفضية تتوسط السفرة كطبقٍ ملكي. لم يذق عمر في حياته طعمًا ألذّ منها، ليس لأنها كانت شهية، بل لأنها كانت انتصارًا على خوفه، وعودةً إلى حلمه.
ومنذ ذلك اليوم، صار عمر يرافق عبدالرحمن في رحلات الصيد، يحمل صنارته الخاصة، ويتنافس معه في البحر. بل إنهما كانا يتغلبان على بعضهما أحيانًا، ويضحكان معًا، كأن البحر نفسه يبارك صداقتهما.
