بين الكراس والآيباد… حوار أمهات من زمن الطباشير
من دفتر الحساب إلى شاشة اللمس… ماذا خسرنا؟
في أحد اللقاءات العائلية، جلستُ مع صديقات الطفولة وكلّهنّ أمّهات، كل واحدة منّا تحمل في ذاكرتها رائحة الورق، وصوت تقليب الصفحات، ودفاتر الحساب ذات الغلاف المقوّى. تحدثنا عن أيام كنا نكتب فيها المسائل الحسابية بخط اليد، نعيد المحاولة، نمسح، نخطئ، ثم نُعيد من جديد. لم يكن هناك زر “تراجع”، بل كان هناك ممحاة، وصبر، وورقة مشطوبة تشهد على رحلة الفهم.
قالت سناء اليوم، ابني الصغير يُحلّ واجباته على الآيباد. يضغط على “صح” أو “خطأ”، ثم ينتقل إلى لعبة “ماينكرافت” دون أن يفرّق بين الضرب والقسمة. سألته يومًا: “كيف عرفت الجواب؟”
قال بثقة: “ضغطت على الخيار اللي حسّيته صح.”
قلت له: “طيب، ليه هو الصح؟”
ردّ: “ما أدري… بس طلع أخضر.”
من المكتبة إلى محرك البحث… أين ذهب الفضول؟
كنا نذهب إلى المكتبة المدرسية. نبحث بين الرفوف، نفتح الكتب، ندوّن الملاحظات، ننسخ الفقرات بخط اليد، ونشعر أننا اكتشفنا كنزًا حين نجد معلومة نادرة. كنا نُقصّ الصور من المجلات القديمة، نلصقها في ملفاتنا، ونزيّنها بالرسوم.
اليوم؟
الطفل يكتب في جوجل: “متى وُلد المتنبي؟”
تظهر له الإجابة: “303 هـ”
ثم يُغلق الصفحة، ويعود إلى فيديوهات “تيك توك” عن قطط ترقص.
من الخط العربي إلى لوحة المفاتيح… جيل لا يكتب
أخبرتني احدى صديقاتي :ذهبتُ إلى مدرسة خاصة لحضور معرض أعمال الطلاب. توقعت أن أرى دفاتر مزينة، خطوطًا متعرجة، محاولات طفولية لكتابة الشعر أو رسم خريطة الوطن . لكن ما رأيته كان عرض شرائح “باوربوينت”، فيه صور من الإنترنت، ونصوص منسوخة من ويكيبيديا، ووجدت أطفال لا يعرفون كيف يُمسكون القلم.
سألت أحدهم: “هل تكتب بخط يدك؟”
قال: “لا، الآيباد يكتب لي.”
قلت: “طيب، كيف تكتب رسالة لصديقك؟”
قال: “أرسل له إيموجي.”
من التفكير إلى التلقين… التعليم في خطر
التعليم ليس فقط معلومات، بل هو مهارات: كيف نبحث؟ كيف نحلّ؟ كيف نُخطئ ونتعلم؟
لكن التعليم الرقمي المفرط يُحوّل الطفل إلى مستهلك للمعلومة، لا صانعًا لها.
يُجيب بنعم أو لا، دون أن يعرف لماذا.
يقرأ العنوان… ويتجاوز التفاصيل.
يكتب جملة… ثم يطلب من “تشات جي بي تي” أن يُكملها.
دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
نحن لا نُطالب بإلغاء التكنولوجيا، بل بإعادة ترتيب الأولويات.
فلنُعيد الكراس إلى الحقيبة، والكتاب إلى الطاولة، والقلم إلى اليد.
فلنمنع الشاشات في التعليم المبكر، حتى يتعلّم الطفل كيف يُفكّر، لا كيف يُمرّر إصبعه.
أرقام لا تكذب:
- 68٪ من الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة اللوحية أكثر من 3 ساعات يوميًا يُعانون من ضعف في التركيز
- 52٪ من المعلمين في الإمارات لاحظوا تراجعًا في مهارات الكتابة اليدوية لدى طلابهم بعد إدخال الأجهزة اللوحية في التعليم
- 1 من كل 3 طلاب في المرحلة الابتدائية لا يستطيع كتابة جملة كاملة بخط اليد دون أخطاء
ختامًا… التعليم ليس تطبيقًا يُحمّل
التعليم رحلة، لا رابط تحميل.
هو دفتر عليه بقع شاي، وورقة ناقصة، وقلم مكسور، وطفل يُحاول أن يفهم.
فلنُعِد للتعليم إنسانيته، قبل أن نصحو على جيل لا يعرف كيف يكتب اسمه… لكنه يعرف كيف يُغلق الإشعارات.
